عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

128

اللباب في علوم الكتاب

أن ما جاءكم به النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو عين كتاب اللّه . قال تعالى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] ، وعند هذا يصحّ قوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ واللّه أعلم . وقال بعضهم : إن هذا عامّ أريد به الخصوص ، والمعنى ما فرّطنا في الكتاب من شيء يحتاج إليه المكلّفون .

--> - وسألت رجالا من أهل العلم فقالوا : على ابنك جلد مائة وتغريب عام ، فصار هذا الخبر يجمع نصّا ووفاقا ؛ ولأنه إجماع الصحابة . وروي أن أبا بكر رضي اللّه عنه جلد وغرب إلى « فدك » . وجلد عمر وغرب إلى « الشام » ، وجلد عثمان وغرب إلى « مصر » . وجلد علي وغرب من « الكوفة » إلى « البصرة » ، وليس لهم في الصحابة مخالف . فإن قيل : فقد قال عمر حين غرب لا أنفي بعده أحدا . وقال علي : كفى بالنفي فتنة ، فدلّ على أنهم غربوا تعزيرا يجوز لهم تركه ، ولم يكن حدّا محتوما . قيل : أما قول عمر : « لا أنفي بعده أحدا » ، فإنما كان ذلك منه في شارب خمر نفاه ، فارتد ولحق بالروم ، والنفي في شرب الخمر تعزير يجوز تركه ، وهو في الزنا حد لا يجوز تركه . وأما قول علي : « كفى بالنفي فتنة » فيعني : عذابا كما قال اللّه تعالى : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] أي يعذبون ، ولأن التغريب عقوبة تقدرت على الزاني شرعا ، فوجب أن يكون حدا كالجلد ؛ ولأن الزنا معصية توجب حدا أعلى ؛ وهو الجلد ، فوجب أن يقترن بأدناها غيرهما ؛ كالقتل يوجب أعلى ؛ وهو القود ؛ وأدنى ، وهو الدية واقترن بها الكفارة . فأما الجواب عن الآية فمن وجهين : أحدهما : أنها تضمنت كل ما وجب بالقرآن ، والتغريب واجب بالسنّة دون القرآن . والثاني : أن الزيادة على النص عندنا لا تكون نسخا ، ولو كانت نسخا ، لم تكن زيادة التغريب هاهنا نسخا لأمرين : أحدهما : أننا قد اتفقنا عليها ، وإن اختلفنا في حكمها ، فجعلوها تعزيرا وجعلناها حدا . والثاني : أنها تكون نسخا إذا تأخرت ، والتغريب هاهنا تفسير لقوله : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [ النساء : 15 ] فكان مقدّما عن قوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور : 2 ] فخرج عن حكم النسخ . وأما الجواب عن تغريبها مع ذي المحرم فمن وجهين : أحدهما : أنه لما لم يمنع ذلك من تغريبها تعزيرا ، لم يمنع من تغريبها حدا . والثاني : أن المحرم شرط عندنا في مباح السفر دون واجبه ؛ كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تصومنّ امرأة وزوجها حاضر ، إلّا بإذنه » محمولا على تطوع الصوم دون مفروضه ، وهذا واجب كالحج فلم يفتقر إلى ذي محرم . وأما الجواب عن قياسهم على حد القذف ، وشرب الخمر - فمن وجهين : أحدهما : أنه قياس يدفع النص ، فكان مطرحا . والثاني : أنه لما لم يجز أن يغرب في غير الزنا تعزيرا وجاز في الزنا لم يمنع من وجوبه في الزنا حدا ، وإن لم يجب في غير الزنا . وأما الجواب عن قياسهم على الثّيب فمن وجهين : أحدهما : أن حد الثيب أغلظ العقوبات ، فسقط به ما دونه . والثاني : أن الرجم فيه قد منع من حد يتعقبه ، والجلد لا يمنع واللّه أعلم . ينظر : الحاوي بتحقيقنا 13 / 193 - 195 .